محمد بن الطيب الباقلاني
126
إعجاز القرآن
والتحقق ( 1 ) بمجاري البلاغات - فإنما يكفيك التأمل ، ويغنيك التصور . وإن كنت في الصنعة مرمدا ، وفى المعرفة بها متوسطا ، فلا بد / لك من التقليد ، ولا غنى بك عن التسليم . إن الناقص في هذه الصنعة كالخارج عنها ، والشادي فيها كالبائن منها . فإن أراد أن نقرب عليه أمرا ( 2 ) ، ونفسح له طريقا ، ونفتح له بابا - ليعرف به إعجاز القرآن - فإنا نضع بين يديه الأمثلة ، ونعرض عليه الأساليب ، ونصور له صور ( 3 ) كل قبيل من النظم والنثر ، ونحضره ( 4 ) من كل فن من القول شيئا يتأمله حق تأمله ، ويراعيه حق رعايته ( 5 ) ، فيستدل استدلال العالم ، ويستدرك استدراك ( 6 ) الناقد ، ويقع ( 7 ) له الفرق بين الكلام الصادر عن الربوبية ، الطالع عن الإلهية ، الجامع بين الحكم والحكم ، والاخبار عن الغيوب والغائبات ، والمتضمن لمصالح الدنيا والدين ، والمستوعب لجلية اليقين ، والمعاني المخترعة في تأسيس أصل الشريعة وفروعها بالألفاظ الشريفة ، على تفننها وتصرفها . ونعمد إلى شئ من الشعر المجمع عليه ، فنبين وجه النقص فيه ، وندل على انحطاط رتبته ، ووقوع أبواب الخلل فيه ، حتى إذا تأمل ذلك ، وتأمل ما نذكره - من تفصيل إعجاز القرآن وفصاحته ، وعجيب براعته - انكشف له واتضح ، وثبت / ما وصفناه لديه ووضح ، وليعرف حدود " البلاغة " ، ومواقع البيان " والبراعة " ووجه التقدم في " الفصاحة " . وذكر الجاحظ في كتاب البيان والتبيين ( 8 ) : أن الفارسي سئل ، فقيل له : ما " البلاغة " ؟ فقال : معرفة الفصل من الوصل . وسئل اليوناني عنها ؟ فقال : تصحيح الأقسام ، واختيار الكلام . وسئل الرومي عنها ؟ فقال : حسن الاقتضاب عند البداهة ( 9 ) ، والغزارة يوم الإطالة .
--> ( 1 ) م " والتحقيق " ( 2 ) م " أمدا " ( 3 ) س " صورة " ( 4 ) س " ونحضر له " ( 5 ) س ، ك " مراعاته " ( 6 ) م " الاستدلال " ( 7 ) س " ويقطع " ( 8 ) راجع البيان والتبيين 1 / 88 ( 9 ) م " البديهة "